مـحـمـد الـعـربـي الـمـسـاري : دروس مـن تـجـربـة حـوار





سأتعرض هنا باختصار إلى تجربة حوار أجري بشأن المتوسط،، قد تنفعنا في استخلاص دروس، ونحن نتأمل اليوم حول مبادرة موحية بشأن القارات الثلاث. وأقصد حوار فلورانس. وسأتعرض إلى تلك الصفحة من تاريخنا بشيء من تاريخنا بشيء من الأسى.

بالنسبة لبلادنا، كان لابد من استيناف العمل بتقليد مرتبط بهويتنا، وفتح الطريق للحوار حول سلسلة أفكار متنوعة يقدر ماهي موحية. ذلك أن المغرب كان في حاجة إلى أن يعود للعمل بتلك التقاليد، لأنه حينما يغيب عن المتوسط،، يكف عن أن يكون ما هو، أي حلقة وصل بين القارات والبحار، وبالتالي فيما بين ثقافات. وأما فتح الحوار فكان أمرا حيويا بالنسبة لنا من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.

وحينما أعلن بفاس في منتصف سنة 1985 عن توأمة عاصمتنا الروحية مع المدينة الإيطالية فلورنسا كان ذلك في الواقع إعلانا عن سياسة سلام وتعاون. إلا أنه لابد من التذكير بأن الأمر كان يتعلق بأوتوبيا. ففي ذلك الوقت كانت ما تزال قائمة في المنطقة مشكلة الجزائر، أي مشكلة الحصول على استقلال الجزائر.

كان من المستعجل بالنسبة للمغرب الأقصى، وبالنسبة لتونس أي المغرب الأدنى، أن يتحقق استقلال المغرب الأوسط الذي هو الجزائر، لأن فرنسا تسللت من هناك، شرقا وغربا، وبالتالي فإن استقلال البلدين كان سيبقى ناقصا بدون الحصول على استقلال الجزائر.

وكانت الأوتوبيا تكمن جزئيا فيما يلي : كان لابد من إقناع من كان ما يزال يعقد أن الجزائر هي مجرد مقاطعة فرنسية مما وراء البحار، بأنه لابد من التسليم بالحقائق.

وكانت الأوتوبيا من جهة أخرى تتجلى في أن شعوبنا كانت تضع فرقا واضحا بين فرنسا الاستعمارية وفرنسا 14 يوليو، وفرنسا الثقافية.

وأما المكون الثالث للأوتوبيا فكان هو ما لم يفتر عن ترديده محمد الخامس : إن الصداقة مع فرنسا شيء والتضامن مع قضية استقلال الجزائر شيء آخر.وأن أيا منهما لايلغي الآخر.

وكان الهدف من إنشاء المنتدى الذي ظهر على إثر التوأمة بين فاس وفلورانسا، هو إنعاش الحوار حول المتوسط. وتقرر في الحين أن تسند رئاسة المنتدى إلى ولي عهد المغرب الأمير م. الحسن. أي نفس الشخصية التي دخلت التاريخ باسم الملك الحسن الثاني.

واتخذ ذلك المنتدى جدول أعمال على جانب من الأهمية، بفضل سمعة الشخصيات التي ساهمت فيه. وبسبب حدة السياق السياسي الحاد في المنطقة والعالم.

ومن علامات التعقيد الخاص الذي ميز الأوضاع حينئذ، أنه في جلسة الحوار التي تمت في فلورانسا كان سفير فرنسا قد انسحب احتجاجا حينما لاحظ وجود القائد الجزائري بو منجل الذي كان قد دخل إلى إيطاليا بجواز سفر تونسي. أي أن الظروف كانت مثقلة بنزاعات قوية، كما هو الشأن في كثير من الأحيان في التاريخ الطويل للمتوسط.

وكان قد شارك في ندوة فلورانسا المنعقدة فيما بين 3 و 5 أكتوبر 1958 ستون شخصية، كل منهم بصفة الفردية. وكان المشاركون يدركون تمام الإدراك أنهم كانوا بصدد إنجاز تجربة ستفتح الطريق إلى الحوار بين ثقافات وديانات مختلفة تسود في عشر دول في المنطقة.

كانت هناك مشاكل حادة متعددة، إلا أن المشاركين كانوا مقتنعين بأن المتوسط، هو مكان للتلاقي والتبادل، وأيضا مكان للصدام، ويجب تحمل الاختلافات، والبحث عن المخارج الممكنة للمشاكل القائمة.

ومن بين خطب الافتتاح، تميز الخطاب الذي ألقاه ولي عهد المغرب الذي أصبح بعد سنتين من ذلك التاريخ أمير المومنين في بلده، والذي جاء فيه : إن المشاكل القائمة ليس الأديان، ولكنها من صنع سدنة تلك الأديان.

وحفل منتدى فلورانسا بكثير من الأمور التي حدثت في حظيرته لأول مرة، ومن ذلك وجود مسلمين ويهود جنبا إلى جنب، بمن فيهم يهود كانوا قد قدموا من إسرائيل. وكان الفليسوف المغربي م. ع. الحبابي قد سجل الأهمية التي ينطوي عليها أن يوجد في مكان واحد كل من الزعيم المغربي علال الفاسي والأستاذ بليصنير من الجامعة العربية في القدس.

لم يكن الأمر غريبا بالنسبة للمغرب، طالما التقى فيه مسلمون ويهود في معترك السياسة والثقافة. وكانت أول حكومة مغربية شكلت بعد الاستقلال قد ضمت شخصية يهودية هو الدكتور بن زاكين، وفي حكومة تشكلت في التسعينيات تكرر الأمر في شخص سيرج بيردوكو. وما زالت تلك السابقة فريدة من نوعها في العالم العربي.

وكان حاضرا في المنتدى القائد الاشتراكي الفرنسي وصديق الحركة الوطنية المغربية جان روس. وكانت هناك تعبيرا عن الدعم للمبادرة، شخصيات من طراز ش.أ. جوليان و ج. بيرك و ل. ماسينيون، ونخبة مختارة مختلفة الحساسيات كلهم مقتنعون بأنه من الممكن البحث عن مخارج.

ووراء كل ذلك كانت هناك قاعدة ثقافية متينة. وفي ذلك للبلدان الصغيرة وزن رمزي. ومثال ذلك ان المغرب وهو صديق للغرب، لأنه جزء منه، وجد في نفسه القدرة على أن يصرح في تلك الفترة من 1958 باعترافه بالجمهورية الشعبية الصينية بوصفها الدولة الشرعية الوحيدة للصين.

كنت في البداية قد أشرت إلى نوع من الأسى يخامرني وأنا أتعرض لهذه الصفحة من تاريخنا. وسأشرح وأنا أختم أسباب ذلك الشعور بالخيبة.

فقبل شهور من فلورانسا كان قد انعقد في طنجة، أبريل 1958 مؤتمر طنجة للمغرب العربي. وقد بقي ذلك المشروع مجرد حبر على ورق، بينما مشروع معاصر له، كان مضمنا في اتفاقية روما قد آل إلى ما هو عليه اليوم الاتحاد الأوروبي.

كما أن هناك خيبة أخرى، وهذه تخص المغرب. كان الوفد المغربي إلى جانب آخرين، يضم الأمير م. الحسن رئيسا، وكلا من الزعيم علال الفاسي، والشهيد (بأحرف كبيرة) لحركة الديمقراطية المغربية المهدي بن بركة.

كان ذلك الثلاثي الرائع يمثل ثلاثة مظاهر للمغرب ما بعد الفترة الاستعمارية. وكانوا ثلاثتهم يمتلكون طاقة كبيرة، وكانوا يمثلون أملا لشعب بكامله كان يستحق أن يخوض مسيرة حازمة نحو التقدم. لكن الأمر لم يكن كذلك مع الأسف.

فحسب الكرونولوجيا أعقبت أكتوبر 1958 أحدث تسببت في حركات زلزالية قوية أودت بالمغرب إلى دروب أخرى، وهذه دروس من مرتبة أخرى. ولشيء ما ينفع التاريخ.

الصخيرات، في 29 مايو 2009

بقلم مـحـمـد الـعـربـي الـمـسـاري